محمد بن جرير الطبري
440
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وثيابها من سندس وإستبرق ، فينيخونها ويقولون : إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلِّموا عليه . قال : فيركبونها ، قال : فهي أسرع من الطائر ، وأوطأ من الفراش نُجُبًا من غير مَهنَة ، ( 1 ) يسير الرَّجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه ، لا تصيب أذُنُ راحلة منها أذُنَ صاحبتها ، ولا بَرْكُ راحلة بركَ صاحبتها ، ( 2 ) حتى إن الشجرة لتتنحَّى عن طرُقهم لئلا تفرُق بين الرجل وأخيه . قال : فيأتون إلى الرحمن الرحيم ، فيُسْفِر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه ، فإذا رأوه قالوا : اللهم أنت السلام ومنك السلام ، وحُقَّ لك الجلال والإكرام " . قال : فيقول تبارك وتعالى عند ذلك : " أنا السلام ، ومنى السلام ، وعليكم حقّت رحمتي ومحبتي ، مرحبًا بعبادي الذين خَشُوني بغَيْبٍ وأطاعوا أمري " . قال : فيقولون : " ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدرك حق قدرك ، فأذن لنا بالسجود قدَّامك " قال : فيقول الله : إنها ليست بدار نَصَب ولا عبادة ، ولكنها دارُ مُلْك ونعيم ، وإني قد رفعت عنكم نَصَب العبادة ، فسلوني ما شئتم ، فإن لكل رجل منكم أمنيّته " . فيسألونه ، حتى إن أقصرهم أمنيةً ليقول : ربِّ ، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها ، رب فآتني كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا " فيقول الله : لقد قصّرت بك اليوم أمنيتُك ، ولقد سألت دون منزلتك ، هذا لك مني ، وسأتحفك بمنزلتي ، لأنه ليس في عطائي نكَد ولا تَصْريدٌ " ( 3 ) . قال : ثم يقول : " اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ، ولم يخطر لهم على بال " . قال : فيعرضون عليهم حتى يَقْضُوهم أمانيهم
--> ( 1 ) " المهنة " ( بفتحات ) جمع " ما هن " ، ويجمع على " مهان " ، نحو " كاتب ، وكتبة ، وكتاب " ، وهو الخادم . ( 2 ) هكذا في المخطوطة ، وفي تفسير ابن كثير " برك " ، وفي الدر المنثور " لا تزل راحلة بزل صاحبتها " ، وأنا أرجح أن الصواب : " ولا ورك راحلة ورك صاحبتها " ولكن الناسخ الأول وصل الواو بالراء ، فأتى ناسخنا هذا فوصل بغير بيان ولا معرفة . ( 3 ) في المطبوعة : " ولا قصر يد " ، وهو كلام غث بل هو عين الغثاثة . و " التصريد " في العطاء تقليله .